ما يقوله الدعاة ويتحذلق به الكتاب ويتفيهق به الخطباء موجود في الكتب ..
إنه كلمات جامدة ميتة لا روح بها ..
جثث هامدة لو ألقيتها على قارعة الطريق لن تؤثر في أحد ولن تلفت نظر أحد ..
ما أكثر الجثث التي تسير في طرقاتنا ونجالسها في معايشنا في عالم اليوم ..
الدّعوة في عصرنا هذا لا تشكو من قلة المتكلمين ، ولا الخطباء ، ولا الشعاراتيين ، ولا المؤسسات على قلّتها ، ولا إلى فقد السند السياسي ..
إنّها تشكو إلى حدّ الفقر المدقع من اختفاء الأنموذج التعبدي الحقيقي ..
اختفى في حياتنا المعاصرة - أو كاد – نموذج المتديّن الحقيقي ..
أصبحت ترى الدين ممثلا في أشباح تتنافر مع قيم الدين الأصيلة ..
نعم لدينا كثرة في الصارخين بالدين .. لكن أين هو الأنموذج ..
.......
قد يقف خطيب أو محاضر فيتكلم حتى يبحّ صوته فلا يعبأ له إلاّ القليل ..
إنّه الكلام ..
السلعة الأرخص والأكثر ابتذالاً وافتضاحاً .. في أسواق اليوم ..
بعض البرامج الدينية تلقى رواجاً وتحقق أرقاماً ..
إنه نجاح رقمي مذهل حقاً ..
لكنه ليس اختراقاً دعوياً للأسف ..
لأنّه مجرد كلام وتنظير في الهواء ..
كثير من مجالس اللهو والغفلة لا تقلب المحطة إذا ظهر فيها صاحب الفضيلة المتكلم ..
إنّها لا تتضايق منه .. فهو مجرد فاصل إعلاني بين مسلسلات أو مباريات أو غيرها ..
كما أنّهم لا يشعرون بحالة التناقض بين حالهم وما يلقيه فضيلته عن أسباب النهضة ومعالم الاستنارة وسعة الأفق و(اختلاف أمتي رحمة) !
ما الفرق بينهم وبينه ؟
هم أيضا حين يُطلب منهم الكلام يختارون ألفاظهم بعناية ..
ويؤكدون على أنّهم يؤيدون الإسلام الحضاري الأممي الذي يسع الناس ولا يضيق عليهم ...
كما أنّهم متدينون في الحقيقة ..وإن كانوا يختارون من الدين أيسره ومن الفتوى أسمحها ..!
......
متى تحدث الصدمة الدعويّة ؟
تحدث حين يرى الناس الأنموذج يمشي بينهم ..
إنّه يعيش نفس ظروفهم الحياتيةّ الصعبة ..
لكنه لا يسرق ..
يعايش الفتن لكنّه لا يزني ولا يقترب منه ..
لا ينظر إلى النساء الأجنبيات ولا يصافحهنّ ولو سهّل فيه المتساهلون ..
وهو لا يكذب ولو مازحاً ..
ولا يسخر ولا يغتاب ولا يمشي بالنميمة ..
حريص على الصفوف الأوَل في الصلاة ..
صوام قوام ..
يبر والديه ويصل رحمه ..
متصدق باذل للمعروف ..
محافظ على السنة ..
لا يفرق - في حرصه عليها - بين باطنيّها وظاهريّها ..
أعفى لحيته وشمّر ثوبه ..
سواكه لا يفارقه ..
يتعامل مع الناس بسماحة ..
يحب المؤمنين ويخفض لهم جناحه ..
ويبغض الكافرين ..ويدعوهم ويحسن للمسالمين المحسنين منهم ..
يهجر مجالس اللّهو والفسق ويدعو لأصحابها ..
يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا تأخذه في الله لومة لائم ..
يحب السنة وأهلها .. ويبغض البدعة وأهلها ..
يرحم مخالفيه وينصح لهم ..
ينافر المعاندين ويحذّر منهم حسبة لله ..
لا ينتقم لنفسه ولا ينتصر لهواه ..
هذا هو الذي جعله الله – وجعل له – نوراً يمشي به في النّاس ..
حتّى لو عاش حياته لا ينطق كلمة واحدة ..
هذا هو الذي يوقف المقصرين على حقيقة تقصيرهم ..
هذا هو الذي يفضح الإنسان أمام نفسه إذا رآه ..
هذا هو المرآة الّتي يرى فيها الإنسان حقيقة واقعه في التديّن ..
هذا الذي يوقع مخالفيه في حيرة التناقض فلا يطيق رؤيته منافق ولا فاسق ولا من في قلبه مرض ..
لأنّه يشكّل له الحقيقة التي لا يريد أن يبصرها ..
حقيقة نفسه المريضة ..
فهو يريد من يقول له : «لا باس ولا تاس» أنت بخير ..وحالك قريب وإنّما أنت وسطي غير متشدّد !
هذا هو الحيّ الحقيقي ..
وهذا هو الداعية الحقيقي ..
داعية إلى الله في صمت ..
لا أعني بالصمت هنا : الإخلاص وعدم الحديث عن النفس .
بل أعني الصمت حقا ..
هؤلاء الصامتون وهم النماذج التي تطبق الدين والسنة هم الدعاة الحقيقيون وهم العامل الذي يقلب موازين اللعبة ..
يا أيّها الصامتون ..
لا تخجلوا من أنفسكم فأنتم والله الذي لا إله غيره أمل الأمّة .. يوم قتل المستنيرون أملها !
وأنتم مستقبل الدعوة .. يوم ضحّى المائعون بمستقبلها !
وأنتم نطفتها الصالحة .. يوم قاربت سنّ يأسها !
إيّاكم أن تزدروا أنفسكم ..
فأنتم والله أعظم الدعاة ..
صمتكم وتدينكم أقوى من خطابات المتكلمين ومحاضرات المحاضرين كلّهم ..
إيّاكم أن تنخدعوا بمقالاتهم ومحاضراتهم التي يزيفون بها وعي المتدين الحقيقي ..
الاستنارة وسعة الأفق والفقه المقاصدي وغير ذلك من المصطلحات الجميلة والكلمات المعسولة التي ترجمتها على أرض الحقيقة تعني البعد عن حقيقة الدين وعن السنة بالذات ..
إياكم أن تغرّكم الأضواء الساطعة حول كثير من الشاردين .. فإنّها فتنة لهم ولغيرهم ..
لا يغرّكم من صلى في بيته لأنّه اكتشف فجأة أنّها سنة وليست بفرض !
ولا يغرّنكم من خفف لحيته بعد أن اكتشف أنّه عاش سنوات طويلة مضلّلاً بفتاوى متشددة !
ولا تصدّق دعوى المجتهدين في خلط الأجساد بعد أن تبيّن لهم أنّ تحريم الاختلاط خطأ وأنّه مصطلح حادث !
ولا يذهلّنّكم سيّاح الشرق والغرب ممّن كان يفتي بتحريم السفر لبلاد الكفار ثمّ بصّره الله بحقيقة التسامح الديني وأنّ العلاقة مع الكفار علاقة محبة وتعايش في الأصل وأنّه كان ضحية نظرية المؤامرة !
إيّاكم أن تنجرّوا إلى مستنقع القنوات الفضائية الإخبارية أو غيرها التي تعرض صور السافرات والفاجرات لا تلهينّكم فذلكة المتساهلين الذين أحالوا الدين أرقّ من ثوب سابريّ !
يا أيّها الصامتون عيشوا في صمتكم ..في تدينكم فأنتم وحدكم الأحياء وإن صمتّم ، وغيركم أموات وإن ملئوا الدنيا ضجيجاً !