بات الحديث عن السلف الصالح آثارًا ونقلاً واستشهادًا – عارًا فكريًّا ومستهجنًا عند بعض أبناء الإسلام، ممن أسسوا أو تماشوا مع القطيعة بيننا وبين سلفنا الصالح – رضوان الله تعالى عنهم ورحمهم جميعًا - أدى بهم هذا الاعتقاد إلى اتهام من يَستشهد بهم ويُقدم فهمهم، أو يستأنس مجرد استئناس بأحداث من تأريخهم – بأنه عاشق ينبغي ألا يَفرض عشقه على الآخرين، وأنه يدل على بساطةٍ وسطحيةٍ في التفكير سواء كان تماهيًا مع مقولات التراث أو شخصياته أو تأريخه!
ونجدهم يزعمون تأسيسهم للإشكالية المفتعلة بين الديني والدنيوي وأن الأزمة دنيوية فقط لا دينية في ضوء سياقات الواقع، بينما في المقابل يطرحون سؤالاً كبيرًا: متى كان الديني سببًا لنهوض الدنيوي؟ وهل كان للإسلام دولة أصلًا حتى تدعون أن السياسة من الدين..؟ وانقسموا في الإجابة عن سؤالاتهم إلى:
• قسم يحاول الجواب باستحضار التأريخ الدموي ( المعارك والحروب ) فقط نافيًا ومستهدفًا في نفس الوقت الحقيقة في قلوب المؤمنين في ثقتهم بسلفهم، وبأن صلاح الدين الذي كانوا عليه؛ كان سببًا في صلاح دنياهم.
• قسم غالى بتأويل تأريخ المسلمين لفرض الفهم النصراني بين الديني والدنيوي خاصة السياسي، ومحاولة قطع الطريق لاستئناف ذلك الدور التأريخي.
• وقسم ثالث أكد أن الناس لا يقتنعون بالدين إلا بمردوده الحضاري، ولم يكن له مردود حضاري عبر تأريخه.
كنت أفكر في السبب الذي حملهم على تلك الإجابات من فرض دموية التأريخ بسبب الدين، وافتعال جدلية الدين والدنيا والسياسة – بالأخص - لفرض الفهم النصراني على العلاقة بينهما، فقفزت إلى ذهني قصة استأنست بها في بيان المردود الحضاري للدين، وأنه لم يكن هناك جدلية مفتعلة بين الدين والدنيا، أو الدين والسياسة لأن العلاقة بينهما كانت علاقة كل وجزء ..
هذه القصة من تأريخنا عرفناها مُذ كنا في المرحلة الابتدائية من أستاذاتنا المجيدات – غفر الله لهن وأسعدهن حيث كُنّ – تلكم قصة المناظرة الفريدة التي حدثت بين القاضي الباقلاني – رحمه الله - ( 338-403هـ ) وبين النصارى بحضور ملك الروم في القسطنطينية... وكيف تمثل فيها القاضي الدبلوماسية العالية التي توافق قواعد وقوانين الدبلوماسية الحديثة، في مقابل تجاوزات الملك النصراني ... وعدم التزامه بأدنى أدبيات الحصانة والامتياز الدبلوماسي لممثل رئيس الدولة الإسلامية..
وهذا من الصور التأريخية التي إخالها نستأنس بها على أن الإسلام دين ودولة، عقيدة وشريعة وسياسة، فقد حققنا أوج التقدم الحضاري وقتما كان أهل العلم والإيمان يولون مناصب سياسية ويؤدون سفارتهم ومهامهم على أكمل صورة، لن يستطيع أحد نزع ذلك من مخيالنا، فكيف ينزعه من ضمائرنا؟!
وإليكم قراءة متواضعة لقصة اللقاء الأول بين القاضي الباقلاني وملك الروم في ظل الدبلوماسية العالمية الحديثة:
لكن قبل الشروع في تلك القراءة نقارب معنى الدبلوماسية بتعريف ريفييه Rivier حيث عرفها بأنها "علم وفن تمثيل الدول وإجراء المفاوضات" وهي وسيلة وأداة تطبيق القانون الدولي.
تذكر المصادر التأريخية كما في ترتيب المدارك (7: 60) وعيون المناظرات (246) أن عضد الدولة وجّهَ إلى ملك الروم القاضي أبا بكر الباقلاني، وخصه بذلك ليظهر رفعة الإسلام، وقوة محجة هذا الدين، وسطوع حُجّته، وليبيّن الخلل في دين النصارى، وليظهر التناقض في عقيدتهم مع عقد معاهدة معهم حول تسليم المعارض اللاجئ سياسيًّا ( ورد الرومي ) فكان مبعوثًا دبلوماسيًّا وملحقًا ثقافيًّا .
قال القاضي: فخرجتُ فدخلنا بلاد الروم حتى وصلنا إلى ملك الروم بالقسطنطينية، فأُخبر الملك بقدومنا فأرسل إلينا من يلقانا وقال: لا تدخلوا على الملك بعمائمكم حتى تنزعوها إلا أن تكون منادِلَ لطاف، وحتى تنزعوا أخفافكم. قال القاضي: فقلت: لا أفعل ولا أدخل إلا على ما أنا عليه من الزّيّ واللباس. فإن رضيتم وإلا فخذوا الكتب تقرءونها، وترسلون بجوابها وأعود بها.
فأُخبر بذلك الملك فقال: أريد معرفة سبب هذا، ووجه امتناعه مما مضى عليه رسمي مع الرسل. فأجاب القاضي عن هذا فقال: أنا رجلٌ من علماء المسلمين، ما تحبّونه منّا ذلّ وصَغار، والله تعالى قد رفعنا بالإسلام وأعزنا بمحمد – عليه الصلاة والسلام- ، وأيضًا فإن من شأن الملوك إذا بعثوا رسلهم إلى ملك آخر أن يرفعوا أقدارهم ولا يقصدوا إذلالهم، لا سيما إذا كان الرسول من أهل العلم، ووضع قدره انهدام جاهه عند الله وعند المسلمين، وإن فعلتُ ما يقولون عيّرني المسلمون، وطعنوا في ديني، وسقطتُّ من أعينهم، فإن أراد منّي الدخول، دخلتُ كما أدخل على الخليفة، وإن كرهَ فليقرأ كتابنا وليردَّ الجواب، ويردُّنا إلى صاحبنا ولا حاجة لنا في اللقاء.
هنا نجد القاضي الباقلاني يتحدث من منطلق ما عُرف بعدُ بقانون الحرمة الشخصية للمبعوث الدبلوماسي والذي ينص على أنه: " يجب على الدولة المستقبلة أن تبذل ما في وسعها لمنع أي إهانة أو إذلال أو عنف من جانب رعاياها وذلك حتى يتمكنوا من أداء وظائفهم على أحسن وجه" المادة الأولى من مشروع لائحة مجمع القانون الدولي في أكسفورد عام 1895 (240) فكيف تصدر تلك الإهانة من رئيس الدولة ( ملك الروم )؟!
كما تنص المادة 29 من اتفاقية فينّا على أنه :" تكون حرمة شخص المبعوث الدبلوماسي مصونة ، ولا يجوز إخضاعه لأية صورة من صور القبض أو الاعتقال ، ويجب على الدولة المعتمد لديها معاملته بالاحترام اللائق واتخاذ جميع التدابير المناسبة لمنع أي اعتداء على شخصه أو حريته أو كرامته " روى الإمام أحمد أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - أكرم سفير قيصر حين جاء إليه في تبوك وقال له :" إنك رسول قوم وإن لك حقا ولكن جئتنا ونحن مرملون " فقال عثمان :أنا أكسوه حلة صفورية ، وقام رجل من الأنصار على ضيافته (4/75)
وهو – أي: القاضي - في حسن تعليله لرفضه المثول بالصفة الواردة يرتكز على مصدر من مصادر القانون الدبلوماسي ألا وهو العرف، فبيّن أن العرف يقضي بأن : (من شأن الملوك إذا بعثوا رسلهم إلى ملك آخر أن يرفعوا أقدارهم ولا يقصدوا إذلالهم، لا سيما إذا كان الرسول من أهل العلم). والعرف مصدر من مصادر قانون الدبلوماسية الحديثة، وهو مجموعة من الأعمال القانونية نشأت من تكرار التزام الدول بها في تصرفاتها مع غيرها في حالات معينة، بوصفها قواعد تثبت لها صفة الالتزام القانوني في اعتقاد أغلبية الدول. أو كما في تعريف المحكمة الدولية في المادة 38 من النظام الأساسي لها أنه " عمل أو عادة مستمدان من التواتر والقبول بهما كقانون". ومع تقنين القواعد العرفية في اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية عام 1961م إلا أنه ورد في ديباجتها: ( ... وإذ تؤكد ضرورة استمرار قواعد القانون الدولي العرفي في تنظيم المسائل التي لم تنظمها صراحة أحكام هذه الاتفاقية) وكذلك اتفاقية البعثات الخاصة لعام 1969م .
وبالنسبة لنا نحن المسلمون فإننا نقر تلك الأعراف ما لم تخالف الشريعة الإسلامية، قال الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – لرسولي مسيلمة " لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما" رواه أبو داود برقم (2761)
وتتجلى نظرية مصلحة الوظيفة أو مقتضيات الوظيفة Theorie de l interet de la function والتي تقوم على أساس منح الحصانات والمزايا للدبلوماسيين لا لمصلحتهم الخاصة، ولكن لكمال تمتعهم بالاستقلالية في أداء أعمالهم، وخدمة بلادهم وشعوبهم في قوله: ( أنا رجلٌ من علماء المسلمين، ما تحبّونه منّا ذلّ وصَغار، والله تعالى قد رفعنا بالإسلام وأعزنا بمحمد – عليه الصلاة والسلام... ووضع قدره انهدام جاهه عند الله وعند المسلمين، وإن فعلتُ ما يقولون عيّرني المسلمون، وطعنوا في ديني، وسقطتُّ من أعينهم). فهو يشير إلى أن التكريم الذي ينبغي أن يُقابل به إنما لأجل أداء سفارته بطريقة تحفظ له مكانته وقدره، فالعالِم إذا سقط من أعين الناس لم يتلقوا العلم عنه، وفات الانتفاع به.
وقد نصّ تقرير أعمال معهد القانون الدولي دورة فينا عام 1934م على:" إن أساس الحصانات الدبلوماسية يكمن في المصلحة الوظيفية " ومعلوم أن الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – منح الحصانة الدبلوماسية لموفدي الملوك حتى أولئك الذين جاءوا من قِبَل مسيلمة الكذّاب، مع أنهم على اعتقاد موفدهم، ليؤدوا سفارتهم التي وفدوا لأجلها.
فأُخبر الملك بجوابه فقال: دعوه يدخل ومن معه كما يشتهون، وعرف الملك منزلة هذا الرسول، وما أوتيه من سعة العلم، وقوة الشكيمة، وحضور البديهة، وأنه مقدّم في المسلمين، ذو شأن عظيم بينهم.
وجاء في تأريخ بغداد (5: 379) والسِّيَر والمنتظم وغيرها أنه جرى رسم الرعية أن تُقبّل الأرض بين يدي ملوكها – وقد علم أن القاضي لن يفعل، فرأى أن يضع سريره، وراء باب لطيف، لا يمكن أن يدخل أحد منه إلا راكعاً، ليدخل القاضي على ذلك الحال، فيكون عوضًا عن سجوده وتقبيله الأرض بين يديه. فلما رآه القاضي، تفكّر وعلم أن الأمر حيلة، فأدار ظهره،، وحنى رأسه راكعاً، ودخل من الباب يمشي إلى خلفه، مستقبلاً الملك بدبره، حتى صار بين يديه، ثم رفع رأسه، ونصب ظهره، ثم أدار وجهه إلى الملك حينئذ، فعجب من فطنته، ووقعت له في قلبه هيبة عظيمة
أما عرض ما يورث المهابة من قوة الدولة الموفَد إليها فهو أمرٌ متعارف عليه، لكن لا يعني ذلك ممارسة ما فيه مهانة للمُوفَد الديبلوماسي.
ومن ذلك استعراض الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – الجيش الإسلامي عند خطم الجبل أمام أبي سفيان – موفَد قريش - ، غير أن ما فعله ملك الروم تجاوز وعدم احترام للخصائص والخصوصية الثقافية والدينية للموفَد والدولة الموفِدة.
ويبدو أن القاضي بهذا التصرف – قبول مبدأ الدخول من الباب وهو بهذه الهيئة - يعمد إلى العمل ببطلان نظرية الامتداد الإقليمي Theorie de l Exterritioralite التي تنطلق من فكرة عدم خضوع المبعوث الدبلوماسي ومباني البعثة الدبلوماسية للاختصاص الإقليمي للدولة المستقبلة, بمعنى أنه يمارس مهامه وكأنه مقيم في دولته وأنه لا زال يخضع للقوانين الوطنية لدولته ولاختصاصها الإقليمي"
فلما وُضع الباب لحصول الرسم المعتاد في تحية الملك؛ احتال القاضي في تطبيق ذلك، فلم يرفض الرسم ( لم يعمل بالامتداد الإقليمي ) مع عزة المفاصلة وإباء الركوع لغير الله - تعالى- ولما حصل منه ذلك وقع موقعًا عظيمًا لدى الملك.
ولم تتعرض اتفاقية فينّا للعلاقات الدبلوماسية 1961م لهذه النظرية مما يعد حجرًا عليها. وقد وصفها بعض شُرّاح القانون الدولي أنها تقوم على تصور وهمي غير مفيد, وغامض وخاطئ؛ وبالتالي خطر.
كما تنصّ المادة 41 من نفس الاتفاقية على أنه: " دون الإخلال بالمزايا والحصانات المقررة لهم؛ على الأشخاص الذين يستفيدون من هذه المزايا والحصانات واجب احترام قوانين ولوائح الدولة المعتمد لديها، كما أن عليهم واجب عدم التدخل في الشئون الداخلية لهذه الدولة ".
كما ظهر ذلك في فعل القاضي، وتحيله في طريقة الدخول، دون رفض للهيئة الموضوعة.
وبناء عليه؛ فإنه لا يحق لسفارة أو ممثلية دبلوماسية أن تعمل وكأنها في الدولة الموفِدة، أو أن تتدخل في شئون الدولة المستقبلة ؛ فإنّ تدخّل بعض السفارات في الدول المستقبلة، ومحاولة إحداث تغييرات اجتماعية أو ثقافية أو فكرية بها، والتواصل مع بعض نخبها أو مؤسساتها المجتمعية لأجل ذلك؛ يُعد عملاً مخالفًا وخرقًا شنيعًا لنظريات واتفاقيات العمل الدبلوماسي المعتمدة .
قال القاضي: فلما كان يوم الأحد، بعث الملك في طلبي، وقال: من شأن الرسول حضور مائدة الملك. فنحب أن تجيب الى طعامنا ولا تنقض كل رسومنا. فقلت لرسوله: أنا من علماء المسلمين، ولست كالرسل من الجند وغيرهم، الذين لا يعرفون ما يجب عليهم في هذا الموطن. والملك يعلم أن العلماء لا يقدرون أن يدخلوا هذه الأشياء، وهم يعلمون، وأخشى أن يكون على مائدته من لحوم الخنازير، وما حرمه الله تعالى على رسوله، وعلى المسلمين!!!
فذهب الترجمان، وعاد إليّ وقال: يقول لك الملك: ليس على مائدتي، ولا في طعامي شيء تكرهه. وقد استحسنت ما أتيت به، وما أنت عندنا كسائر الرسل، بل أعظم، وما كرهت من لحوم الخنزير، إنما هو خارج من حضرتي بيني وبينه حجاب. فنهضت على كل حال. وجلست وقدّم الطعام، ومددت يدي وأوهمت الأكل، ولم آكل منه شيئاً مع أني لم أرَ على مائدته ما يكره.
مما أقرته مناقشات لجنة القانون الدولي في جلستها التاسعة عام 1957م أن من وظائف الدبلوماسي المشاركة باسم دولته في الحفلات والاستقبالات الرسمية والمآدب الحكومية التي تدعو لها الدولة المستقبلة ، ويقوم بشرح وجهة نظر حكومته بلباقة ووضوح وإقناع.
كما فعل القاضي الباقلاني هنا ، فكان نعم السفير السياسي للدولة الإسلامية مع ما أداه من سفارة دينية وثقافية.
ولا زالت تلك المناظرة العجيبة وجوانب من الدبلوماسية العالية التي انتهجها القاضي أبو بكر الباقلاني – رحمه الله تعالى - قبل الاتفاقيات الحديثة بما يزيد على تسعة قرون بحاجة إلى اجتلاء المتخصصين بالسياسة الشرعية لها, وما هذه إلا محاولة قراءاتية دفعني إليها السؤال الوارد متى كان للديني أثر في نهوض الدنيوي أو مردود حضاري، وهل كان للإسلام دولة؟
نعم له دولة تكونت منذ بزوغ فجره واكتمل بناؤها .. ولن تزال عن مخيال أمتنا تلك الصور التأريخية المشرقة الحضارية التي لم يكن بها أي تنافر بين الدين والدنيا، بل لما ساسوا الدنيا به كانوا أكمل ما يكونون دينًا ودنيا!
وإنا لنستبشر بعودة الريادة مجددًا وصلاح دنيانا بصلاح ديننا، وما هذه الأوبة القرءانية والتمسك بالسنة المحمدية إلا بشير هدى ومؤشر خير لحصول المبتغى، في تشريع ربط بين الدين والدنيا برباط وثيق : ( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6 ) المطففين
وما وصله الله فأنى يُفصل؟